محمد هادي معرفة
174
التفسير الأثري الجامع
لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ وليجعلها عمرة ، فحلّ الناس كلّهم وقصّروا إلّا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن كان معه هدي . فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ألعامنا أم لأبد ؟ فشبّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أصابعه واحدة في الأخرى وقال : دخلت العمرة في الحجّ - مرّتين - لا ، بل لأبد أبد . فلمّا كان يوم التروية توجّهوا إلى منى فأهلّوا بالحجّ ، فركب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فصلّى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثمّ مكث قليلا حتّى طلعت الشمس وأمر بقبّة له من شعر فضربت بنمرة . فسار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولا تشكّ قريش أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهليّة ، فأجاز رسول اللّه حتّى أتى عرفة ، فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة ، فنزل بها حتّى إذا غربت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فركب حتّى أتى بطن الوادي فخطب الناس فقال : إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا إنّ كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدميّ موضوع ، ودماء الجاهليّة موضوعة ، وأوّل دم أضعه دم عثمان بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطّلب ، وربا الجاهليّة موضوع وأوّل ربا أضعه ربا عبّاس بن عبد المطّلب فإنّه موضوع كلّه ، واتّقوا اللّه في النساء فإنّكم أخذتموهنّ بأمانة اللّه ، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه ، وإنّ لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح ، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف . وإنّي قد تركت فيكم ما لم تضلّوا بعده إن اعتصمتم به ، كتاب اللّه ، وأنتم مسؤولون عنّي فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت ! قال : اللّهمّ اشهد اللّهمّ اشهد ثلاث مرّات ، ثمّ أذّن بلال ، ثمّ أقام فصلّى الظهر ، ثمّ أقام فصلّى العصر ولم يصلّ بينهما شيئا ، ثمّ ركب القصواء حتّى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصّخرات ، وجعل حبل المشاة بين يديه ، فاستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتّى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص ، وأردف أسامة خلفه فدفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وقد شنق للقصواء الزّمام حتّى أنّ رأسها ليصيب مورك رحله وهو يقول بيده اليمنى : أيّها الناس ، السّكينة السّكينة . كلّما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتّى تصعد ، حتّى أتى المزدلفة ، فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبّح بينهما شيئا ، ثمّ اضطجع